الرئيسية / أدب عالمى مترجم / الكتب الأدبية المترجمة / كتاب خاسران على الناصية – كيم أدونيزيو

كتاب خاسران على الناصية – كيم أدونيزيو

امرأة وحيدة، مطلقة، تعيش مع ابنتها المراهقة، تعيل نفسها من خلال إعطاء دروس خاصة في الكتابة، وتكتب الشعر. مواصفات تقليدية لامرأة من الطبقة الوسطى في أميركا، وهذه المواصفات تعبر عنها كيم أدونيزيو الشاعرة والروائية، في أعمالها، لتنتمي إلى سلالة الشعراء الاعترافيين من أمثال روبرت لويل وسيلفيا بلاث وآن ساكستون وغيرهما، أي إلى الشعراء الذين يتمحور عالمهم الشعري حول البوح الذي يتجاوز المشاعر العامة بالحزن والأسى والخسارة وما إلى ذلك، إلى تفاصيل الحياة اليومية والذكريات الخاصة. حين تتحدث أدونيزيو عن “حوض الأسماك” (أو الأكواريوم) مثلاً، في القصيدة التي تحمل هذا العنوان، فهي لا تقصد التركيز فحسب بل غرضاً محدداً، أهدي إليها ولزوجها قبل أن تنتهي علاقتهما ويضيعا الحب، قبل أن يضيعا الزواج. الزوج الضائع حاضر باستمرار، سواء حين تتذكر الشاعرى لحظات معينة معه كما في “لحظات مختلسة” و”قرب بحيرة هيرون”، أو حين تسرد مشاعرها الحالية بعد انتهاء الزواج كما في “قل لي”. لا تلعب أدونيزيو في هذا المحور الأساسي، وإن لك يكن الوحيد، من شعرها، لعبة المرأة الضحية، ولا تحول شعرها خطاباً ضد الزواج أو المؤسسة، فهي لا تبدو معنية لهذه الجهة بميراث أدبي نسوي إيديولوجي. تروي ببساطة فشلها الخاص، وأشواقها وغرامها الذي لا يزال في بعض الأحيان قائماً لزوجها السابق، أو استبدل بغرام آخر، ولا تجد حرجاً في الإعلان عن كل ذلك.

لكن الفشل الغرامي كما سيتبين لقارئ هذه المختارات من شعر أدونيزيو، وإذ هو شديد الإعلان والفجاجة أحياناً، فهو مفتاح لهواجس أخرى ترفع القصيدة من ثرثرة شؤون وشجون شخصية عادية، إلى مستوى الشعر. ما تبرع الشاعرة في الوصول إليه في كل قصيدة هو ذلك الشعور المأساوي العميق بالفقدان. فقدان البراءة الطفولية، الحب، المكان، الانتماء، والصلة المستقرة والمطمئنة بالعالم. تتقاطع بالتالي قصائد أدونيزيو الأكثر شخصية كالتي ذكرناها مع قصائد أخرى مثل “الأرقام”، “ليلة الأحياء، ليلة الموتى”، “ما يخشاه الموتى”، “الغرفة”، “النداء الأخير” وغيرها الكثير من القصائد التي يجمع بينها الشعور بأن الحياة فرت أو تفر منا باستمرار.

سمة أخرى لشعر أدونيزيو هي شدة مدينيته. لا يتعلق الأمر بكون الشاعرة ابنة مدينة (ولدت في واشنطن وتعيش في سان فرانسيسكو)، إذ لا يكفي أن تعيش في مدينة لتكون شاعراً مدينياً، لكن في التغلغل في المفردات المدينية، وفي القلق النفسي الذي يعرفه أبناء المدن. صورة الشاعر والحانة حاضرة دوماً (تحول الشاعرة الحانة من موضوع ذكوري بامتياز إلى مكان أنثوي) لكن العلاقات المدينية تتجاوز المكان غالباً، إلى المجال التعبيري سواء بين البشر أم بين كل إنسان وذاته.

هذا البعد المديني يترجم على مستوى اللغة، من المفردة إلى تركيب العبارة، الذي تختلط فيه الثرثرة المجانية بالاختزال، بمعنى المنطق الاختزالي العقلاني، الذي لا يراعي الجماليات البلاغية كثيراً، ويقفز منها إلى التعبير البسيط، المباشر، والواقعي. حتى الموتى، إذ تستحضرهم أدونيزيو، تستحضرهم بلغتها هذه، كبشر واقعيين، لا كبوابة إلى الماوراء، موتى أدونيزيو “يستيقظون مذعورين، يشربون كوب حليب، ويرون القمر، والثلج الهاطل حديثاً، والأشجار العارية، ربما يحضرون شريحة من الديك الرومي، أو يشاهدون الإعلانات على التلفزيون” (ما يخشاه الموتى).

“أنا شاعرة اعترافية”، تقول أدونيزيو في حوار صحافي “لكن كذلك كانت سافو” (الشاعرة اليونانية القديمة)، فالشعر بحسبها لا يقول سوى ذات الشاعر وهمومه ويومياته، ولكن تختلف المقاربات الجمالية والتعبيرية بين شاعر وآخر.

22

تذكر أنك حملت هذا الكتاب من موقع قهوة 8 غرب

للتحميل اضغط هنا

للقراءة اضغط هنا

لمناقشة الكتاب فى جروب قهوة 8 غرب اضغط هنا

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*