الرئيسية / أدب عالمى مترجم / الروايات العالمية المترجمة / رواية المرجومة – فريدون صاحبجام

رواية المرجومة – فريدون صاحبجام

تدور أحداث رواية “المرجومة” حول حادثة رجم “ثريا”، المرأة الإيرانية التي تعيش في قرية “كوباييه” جنوب شرق إيران في بداية حكم الخميني، بسبب اتهام زوجها لها ظلما بالخيانة والفجور، وبعد أن رفضت أن يطلقها دون أن يمكنها من حقوقها وحقوق أطفالها.
وقام بترجمة رواية الإيراني فريدون صاحبجام، التونسي وليد سليمان، ونشرت الترجمة في تونس عن دار مسكلياني.
وينتزع المترجم وليد سليمان مكانة مضيئة داخل مشهد الترجمة التونسي، ويعتبر من الأصوات المهمة التي تؤسس لمشروع واضح الملامح إلى جانب كل من محمد علي اليوسفي وآدم فتحي وجمال الجلاصي وعلي مصباح.
وقد بدأ سليمان نشر أعماله في الترجمة ابتداء بكتاب نقدي لصاحب نوبل، ماريو فارغاس يوسا “إيروس في الرواية”، وبان ولعه بالسرد الأميركي اللاتيني قبل أن يباغتنا بنشر ترجمة رواية “ذاكرة روبن” للفرنسي دي ميراندا، ورواية “عزيزي صديق المرحوم” للأوكراني أندريه كيركوف.
رجم “ثريّا”
تستعيد الرواية في سرد درامي ملحمي قصة حياة هذه المرأة التي تحالفت كل القوى الرجعية للقضاء عليها بطريقة وحشية في كرنفال شعبي ذكوري.
“ثريا نُذرت منذ ولادتها للموت، فقد سمّيت على اسم الأميرة الإيرانية التي تزوجت بالشاه، وسقوط حكمه وانتصاب حكم الخميني جعل من ثريا أيقونة على الحكم الجديد أن يحطمها”
الخيانة نفسها هي تهمة الروائي والصحفي صاحبجام الذي حكم عليه نظام الخميني بالإعدام ليعيش في المنفى الفرنسي، لكنه أقدم بطريقة انتحارية على التسلل لإيران متحديا حكم الإعدام، وتمكن من حضور “حفل الدم” ومشهد رجم “ثريا مانوتشهري” التي كانت موضوع روايته “المرجومة” بعد ذلك.
كانت ثريا منذ ولادتها منذورة للموت، فقد سمّيت على اسم الأميرة الإيرانية التي تزوجت بالشاه، وسقوط حكمه وانتصاب حكم الخميني جعل من ثريا أيقونة على الحكم الجديد أن يحطمها.
عند ولادة ثريا، قال الأب المسنّ الذي أنجبها على كبر “ستكون أجمل فتاة في القرية وسأخص بها أفضل أولادنا، ولكن عليه أن يكون جديرا بها”، ولم يكن الأب العجوز يعلم أن ذلك الشاب ليس سوى الموت.
ومن ثم قاد الاسم العلم “ثريا” نحو حتفها كما قادها جمالها إليه، فالجمال أصبح مدانا في مشهد البشاعة الذي يتمدد ويتوسع، معلنا الحرب على الحضارة داخل إيران.
قدر جريح
كانت ثريا معصية لواقع العجز والقسوة التي تنهض حولها، فالأم عليلة الجسم وهي والدة لخمسة أطفال، تزوجت مبكرا فأهلكها الإملاق، والأب تزوج في سن متقدمة ويجره عجزه إلى نهش الحياة نهشا لتعويض ما فاته، وكل ذلك تحت نظام جديد يرفع الحجر عاليا في وجه الجمال ويشد الحبل في وجه التفكير الحر.
“ثريا غدت بذلك الجمال وذلك الجسد المشتهى من جهة والمتروك من جهة أخرى محرجة لعموم العجزة الذين يحيطون به، فهو جسد زائد على الحاجة وجسد متمرد على المؤسسة لأنه تخلى عن أداء دوره الذي يُراد له”
لقد اغتصبت ثريا رمزيا وهي طفلة بتحرشات أحد “الأرباب” الذين رميت إليهم، وما إن كبرت قليلا حتى رميت من جديد إلى “غربان علي” الذي تزوجها وهي في سن الثالثة عشرة فلم يكن سوى غراب البين الذي أسرع بها نحو الحفرة الدموية.
كان الزوج مهربا خسر تجارته غير القانونية ثم التحق بالحرس ليشتغل سجانا قميئا دون أن يتخلى عن فساده وصفقاته المشبوهة، وتحول إلى زوج عنيف لا يجد مهربا لعجزه إلا جسد زوجته الجميلة لكي يوقّع عليه خيباته.
فالثورة لم تغير شيئا في البلاد و”لم يتغير شيء بالقرية، باستثناء خبر مفاده أن الدولة أباحت من جديد تعدد الزوجات”، وهذا ما جعله يهجر زوجته التي أصبحت تتمنى الموت بسبب تعنيف الزوج وهجرانه لها في آن.. “أمي أريد أن أموت.. أريد أن أموت، فما عدت أقدر على تحمل شتائمه وضربه”.
غدت ثريا بذلك الجمال وذلك الجسد المشتهى من جهة والمتروك من جهة أخرى مُحرجة لعموم العجزة الذين يحيطون به، فهو جسد زائد على الحاجة وجسد متمرد على المؤسسة لأنه تخلى عن أداء دوره الذي وجد -حسب رأيهم- من أجله، وهو احتواء الجسد الذكوري.
قانون الرجال
اتهمت ثريا بالفجور بمجرد أن لوحظ غربان علي زوجها يطيل المكوث خارج البيت، ومن ثم فسرت العقلية الذكورية أن السبب هي زوجته، ولا أحد توقّع العكس، فالذكر لا يدان وهو دائما على حق، أما المرأة فهي خطيئة دائمة منذ نشأتها حتى تثبت عكس ذلك، والإثبات لا يأتي إلا للرجل السيد دائما، فهو كل العالم الذي وجدت من أجله ولخدمته.
هذا الفكر الذكوري لم يكن نزيل ذهنية الذكر فقط بل اتسع ليشمل المرأة نفسها، فـ”وحدهن صديقات قليلات كن يتعاطفن معها بشكل خفي، دون أن يجرؤن على استقبالها في منازلهن”.
“لا يمكن قراءة هذه الرواية المؤلمة ولا مشاهدة الفيلم “رجم ثريا” المقتبس عنها دون أن نستحضر ما يحدث اليوم في المنطقة العربية المنكوبة التي تنفذ فيها جماعات مسلّحة أشنع الجرائم في حق البشر”
هكذا يرسم الخوف من الآخر/الذكر المهيمن عالم ثريا وعالم المرأة الإيرانية عامة تحت حكم الإمام، لتسقط الأنوثة في الصمت المميت أو ترجم إذا ما تمردت كما فعلت ثريا بامتناعها عن تقديم الأكل لهذا الطاغية الذي يتحرك بتفويض إلهي يسمح له بتصفية النساء بقانون خاص.
وتلخص صديقة المرجومة هذا القانون في صرختها المخنوقة “قانون الرجال، القانون الذي سنه الرجال ويقولون إنه قانون الله، لقد اتهموك بذنب لم تقترفيه، وأدانوك رغم أنك بريئة، ولكن لا يمكن لأحد أن يثبت براءتك، لا أنا ولا أنت، ولا النساء الطيبات اللواتي في الغرفة المجاورة”.
ويأخذنا صاحبجام إلى طقس من طقوس محو الجسد بتدميره في مشهد كرنفالي يسمى طقوس الرجم، حيث يُقبر نصف الجسد الأنثوي حيا ليشارك الرّاجمون في محو ذلك الجسد المتهم بتمرده على الأعراف.
لا يمكن قراءة هذه الرواية المؤلمة ولا مشاهدة الفيلم “رجم ثريا” المقتبس عنها دون أن نستحضر ما يحدث اليوم في المنطقة العربية المنكوبة التي تنفذ فيها جماعات مسلّحة أشنع الجرائم، ومنها رجم النساء في كل من سوريا والعراق وليبيا واليمن.
وقد أشار الروائي السعودي عبد الله ثابت -الذي قدم لهذه الترجمة- إلى التطابق التام بين ما كتبه صاحبجام عما حدث في الجانب الشيعي المتطرف وما حدث ويحدث في الجانب السني المتطرف، فالتطرف الديني واحد مهما تعددت المذاهب.
يبقى أن هذه الرواية التراجيدية تعكس خطورة ما يتهدد هذه المرحلة التي تعيشها الإنسانية حين يخفت صوت العقل والسلام والتسامح ويعلو صوت السلاح والغريزة.

22

تذكر أنك حملت هذا الكتاب من موقع قهوة 8 غرب

للتحميل اضغط هنا

لمناقشة الكتاب فى جروب قهوة 8 غرب اضغط هنا

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*