الرئيسية / الأدب العربي / روايات عربية / رواية وجوه – محمد شكري

رواية وجوه – محمد شكري

عندما تصبح التجربة أقوي من الندم ينمحي الشعور بالذنب. لن أسعي في هذه التجربة إلي تبرئة نفسي أو إدانتها : أنا والأخرون فبين الفرح المطلق والحزن المطلق أنا بينهما مثل دودة القز. أه من الأجمل الذي أتمناه لك أو لي! قد يكون ما أتمناه لنفسي أقل جمالاً مما
أتمناه لكل لعين مثلي. لن أخشي من الغد الكئيب اللعين سواء كنت مع نفسي أو مع الشيطان.حتي ليل طنجة الذي كان في الأمس القريب يحتفظ ببعض شبابه وشيء من روح جمال أصبح اليوم هرماً مترهلاً قبيحاً وملطخاً بالبراز صار وحشياً ولم يعد يوحي بأي راحة واطمئنان. أنا أعرف أنه يتملص من التهم الموجهة إليه وكل ما هو مشبوه فيه. أعرف أنه أبو الجرائم وحليفها ومع ذلك فلن أكون ضده مطلقاً: لن أتنكر لعشرته القديمة لأنني مدين له بالكثير في الزمن الذي كان فيه عضدي وحليفي في زمن العيش القاسي المريب. لن أنكر جميله لكني لن أتواطأ معه اليوم في بشاعة جرائمه التي يغتال فيها الأبرياء ولم يتب عنها.
لم تكن تمتلئ حانة غرناطة بالرواد إلا عندما بدأت تعمل فيها فاطي ساقية. لم يسبق لرواد هذه الحانة وغيرها من الحانات الممسوخة في طنجة أن خدمتهم في لياقة وغنج نديمة جميلة شقراء تستشهد في حديثها مع بعض الأميين بالأشعار العربية الكلاسيكية والحديثة بصوتها الناعم النغوم. صاح شريب معربد ((مربوط)) فيها: إن عصر الجواري قد عاد. عاشت أمك يا فاطي! إن غيرها من النديمات والساقيات والبغايا يلفقن حديثهن بماضيهن الملئ بالحرمان والهجران أو النميمة المستحبة او المستكرهة علي حياة الزبائن ببلادة وابتذال. أما فاطي فتستمد ثروة حديثها وإغراءه من الكتب التي تقرأها بنهم وإن كانت لا تفهم الكثير منها لكن طموحها كبير فيها وبها تقوي شخصيتها كل يوم. ما يعرفه الفضوليون عنها في طنجة هو أنها جاءت من العرائش. إنهم لا يقلون ((عنهن)) نميمة وبلاهة وتفاهة. غادرت فاطي دراستها في السنة الرابعة الثانوية وجاءت إلي هذا الفردوس الذي لم يبق منه إلا الوهم (ماضيه) لتعمل في حانة غرناطة . إنه قدرها وهي لم تبلغ بعد العشرين: ((لم أتعلم قط كيف أحب ولا أظن أنني سأعرف كيف أحب)). هكذا تقول عن صدق أو كبرياء. لا يهم.ما يمكن أن نفهمه مما تقوله فاطي هو أنها لا تفهم الحب إلا فيما تقرأه في الكتب. إن الحب كان خارج حياتها: التفكير في الحب وليس العيش في الحب. إنها حتي الأن تلهو به لتحافظ علي عملها في حانة غرناطة ولا يلهو بها تحاورت معها في معني بائعة الهوي فقالت :((بيع الهوس هو أن أمانع في بيع هواي علي هواي وهذا ما يمكن أن يكون له معني في حياتي. قد يحدث أن أبيع جسدي لمن لا أهواه لكنني أيضاً قد أهب جسدي نزوة وشهوة)). ثم أضافت: هل تريد أن تعرف؟
-قولي.
-إنني لا أقدر بعد علي التفكير في هوي سني. (بعد وهلة أضافت): ما أريد أن أقوله لك هو أن الحب لا يباع لأولاد الحرام. مافهمته أيضاً من فاطي هو أن أحلام الذين يعيشون في الغني قد لا تختلف كثيراً عن أحلام الذين يعيشون في الفقر تماماً مثل أحزانهم وأفراحهم هي سواء بينهم.

22

تذكر أنك حملت هذا الكتاب من موقع قهوة 8 غرب

للتحميل اضغط هنا

لمناقشة الكتاب فى جروب قهوة 8 غرب اضغط هنا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*